الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء
40
دايرة المعارف النجفية
أمير المؤمنين ( ع ) ما كانوا يلبسون هذه الملابس فيقول لهم الإمام ذاك حيث أن الزمان قل أمّا إذا درّت الدنيا أخلافها فأولى الناس بها أولياء الله ، أو ما هو بهذا المضمون وللرضا ( ع ) كلام عال شريف في هذا الموضوع . ولقد كان لأمير المؤمنين ( ع ) في المدينة من الضياع والبساتين والمزارع كعين إلى نيرز والبغبغية وغيرها مما يدرّ كل سنة بألوف الدنانير وقد أوقفها جميعاً في سبيل الله وكان يضرب بالمسحاة بيده في عقاراته لا حرصاً على الدنيا والأموال ولكن حرصاً على الأنفاق في سبيل الله والإحسان على الضعفاء من عباد الله وكانت ثنية تلك الأثواب الثمينة تمسّ ورع الحسين وزهده لو كان يشحُّ بها ويحرص عليها أمّا وقد بذلها في فكّ الأسير المجاهد في سبيل الله فتلك فضيلة للحسين ( ع ) وكرامة تزيد في علوّ ورعه وزهده ورغبته في تضميد عواطف الفقراء المجروحة والترفيه عن كل بائس محتاج ولعلّك ( عافاك الله ) حسبت أنّ الحسين ( ع ) يلبس تلك الثياب ويتظاهر فيها بالبذخ والخيلاء أو نحو ذلك ممّا ينافي تلك القدسيّة السّامية كلّا يا عزيزي فإنّ الحسين ( ع ) لو ملك الدّنيا كلّها لوهبها لحظة واحدة في سبيل الله وفي سبيل البرّ والمعروف وما كان يضع شيئاً من تلك الثياب على بشرة بدنه الشريف وإنّما يقتنيها ليجود بها ويعطيها ويضعها في مواضعها الّلائقة بها وقد ورد في بعض الأخبار أنّه ( سلام الله عليه ) لمّا استشهد كان عليه من الدّين سبعة آلاف دينار ذهباً أو سبعون ألفاً وأنّ علي بن الحسين ( ع ) لمّا رجع إلى المدينة امتنع عن الطّعام والمنام إلى أن قضاها عن أبيه ، والخلاصة أنّ الزّهد هو قطع العلاقة عن الدّنيا وعن حبّ المال لا عدم وجود المال وليس الزّهد هو لبس الثياب الممزقة والأطمار المرقّعة والمآكل الخشنة ، أسمح لي يا نور عيني أن أقول لك إنّ أكثر النّاس لا يعرفون من حقيقة الزّهد شيئاً والموكب العظيم الّذي سار فيه الحسين من الحجاز إلى العراق وسقى في قفر الأرض بحرّ الهجير ألف فارس وألف فرس أعظم وأفخم من قضيّة الثياب الخمسة ؟ إمّا زيد بن أرقم وقوله ارفع عودك عن هاتين الخ . . . فلعلّ تقبيل رسول الله شفتي الحسين ( ع ) من جهة أنّه تعالى أعلمه أنّهما موضع ضرب يزيد وابن زياد الذين قرعوا ثغر الحسين بالخيزرانة وأمّا حديث : نحن أسرار الله الموعود الخ . . . فحيث أنّه من الأسرار الّتي لا يليق إفشاؤها مضافاً إلى ضيق المجال وطول المقال فالأجدر عدم الخوض فيه